Tuesday, March 1, 2016

حوار الآلهة الصامت



 حــــــــــــــــــــــــــــــــوار الآلهة الصامت: حوارٌ للكُل ولا لأحد.
The Seven Universes’ Dialogue.
مارك الفونس كامل [1]

مُقدمة: لماذا لا تُقدِم على الإنتحار؟
كان هذا هو السؤال الذى يُبادر به فيكتور فرانكل[2] جميع مَن يأتي إليه طلباً للعلاج النفسي, وكانت تأتيه الإجابات متنوعة بين الدافع الديني الذى يُحرِّم الإنتحار كفعلٍ, وبين وجود ما يعيش المرء لأجله.. الأمر الذى كان يتخذه "فرانكل" قاعدة ينطلق منها نحو البحث عن جدوى الحياة, لعل الأمر يؤتي ثماره.

أنا عاجزٌ عَنْ عِشْقِ أية نَمْلةٍ, أو غَيمَةٍ .. عَنْ عِشْقِ أي حَصَاةِ.
جرَّبتُ ألف عِبَادةٍ وعِبَادةٍ .. فوجدتُ أفضلها عِبَادةُ ذاتي. (نزار قبّاني).
(1)   الحُبّ.
أنا أثمن شئ فى هذا الوجود ,وأي وجود .. أنا أعلى هدف يمكن لأحد أن يتطلع إليه .. أنا الثائر على الجمود والفتور .. أنا الأمل فى اليأس واليأس فى الأمل .. أنا السهم الذي يخترق قدس أقداس الإنسان .. أنا الواقف حائراً ما بين العَمَى والبصرِ .. أنا الدعوة النَبَوية الوحيدة .. أنا محور الشِعْرِ والشعر دوني ليس شعراً .. أنا كنتُ وسأظل جوهرُ الفِكْرِ البشري .. أنا الذى لا يخلص الإنسان إلا مِنْ خلالي وفيَّ .. أنا الجالس كالختم على القلبِ .. أنا القوي كالموت .. أنا القيمة الكبرى, الذى أُجرِّد كل شئ مِنْ القيمة .. أنا الخدَّاع, الذي يخدع ويخدع حتى أكاد لا أتذكر مَن أنا بعد .. أنا مَنْ لا أعرف لي تعريفاً .. أنا مَنْ لا أعرف مَن أنا .. أنا الإله, الذى بدوني ما كان أي إله.

(2)   المعنى.
أنا مَنْ يحوّل وجه المرء عن ذاته ليلتفت إلى الحُب .. أنا مَنْ يوَّفر للحب فرصة الوجود .. أنا مَنْ كان ليكون الإنسان .. أنا مَنْ لا يراني أحد ويعيش .. أنا الفائق لكل إدراك البشر .. أنا ما بين تحّمُل العجز عن احتوائي الكامل وبين احتمال غيابي الصامت .. أنا النشاط, الذي يُتيح للمرء أن يُدرك أيةَ قيمة .. أنا الخمول, الذي يُتيح للمرء أن يختبر الجَمَال .. أأنا عقلنة الدوافع الغريزية؟ حاشا!! .. أنا الدافع الأول للحياة .. أنا مَنْ يُحرّك قِطَع الشطرنج دون أن تدري .. أنا التوتر الساكن فى الأعماق .. أنا الذى لا أوجد إلا فى مجال الأليثيا, الذى لا أرتاح إلا فيه ! .. أنا الجسرُ بين ما حُقِقَ بالفعل وبين ما هو ليُحَقَق .. أنا وأنا فقط مّنْ يعلو فوق ذاته الآنية, وينساها -ينسى ألوهته- كي يتأنس.

(3)   المُعاناة.
أنا الأثير, فكما يملأ الغاز حيز الغرفة بالكامل, أملأ أنا الروح البشرية بأكملها .. أنا مَنْ أوظف المعنى لإضفاء قيمة على عَدَميتي .. أنا مَنْ أوفر للمرء فرصة تحويل المأساة إلى انتصار, والبؤس إلى مجدِ .. أنا مَنْ يحتبس المعنى فى طيات كياني .. أنا مَنْ أشتهي أرواح المازوكيين لأُقدم لهم مُتعة لانهائية .. أنا توأمٌ, أحدنا فقط يُمكن اجتنابه .. أنا وقود البعض ونعش البعض الآخر .. أنا ألد أعداء المعنى, مَنْ يُفقدني فعاليتي الفتَّاكة .. أنا لُعبة, لُعبة فى يد الــ attitudes البشرية .. أتذكر حين قال أحدهم: "لتأخذني أنا وتعذبني بدلاً عنهم, فأنا بكل سرور أُضحي بنفسي لأجلـهم" كانت هذه آخر ما سمعت مِنْ كلمات قبل وفاتي في تلك اللحظة.

(4)   العَدَم.
أنا هو الخوف, القلق, رَعشةُ العين المُراقبة أوراق التقويم تتساقط .. أنا الفراغ, أنا الخواء, خوائي وجودي وإلا أتحرك إلا فيه .. أنا الملاك الظاهر في حالات الملل .. أنا نبي الراحة الجوفاء .. أنا مُلجِمُ الشفاه أمام السؤال: ماذا تتمنى أن تفعل؟! .. أنا القوة السُقراطية المُحركة: نحو أن تُريد ما يفعله الآخرون, أو أن تفعل ما يريده الآخرون .. أنا الكآبة الصامتة, التي يُخرِسها علو الصخب الذى اعتاد الهرج والمرج حتى فقد ذاته .. أنا الفجوة الكائنة في عُمق الهدوء .. أنا السؤال المُطلق عن المعنى, أنا السؤال: ما أفضل حركة شطرنج في العالم يا سيد؟ .. 

(5)   الإيمان, الأمل, المحبة.
أنا الثالوث, ثالوث الوجود .. أنا مَنْ يُحاول الكل إجباري على الوجود, ولا أوجد .. أنا مَنْ لا أوجد إلا لأجلي.

(6)   السعادة.
أنا مَنْ يطلبني الجميع كالطعام .. أنا المُطارَدة مِنْ الكُل .. أنا المازوكية, أسعى -فى شبق- إثر مُهمِلني .. أنا السادية, انتشي مِمنْ يلهثِ ورائي حتى الموت .. أنا القابعة فى قلب الكل, ولا فى قلب أحد .. أنا الضِحكة, التي يريد لها الجميع أن تخرج مِنْ فم الوجود دون سبب .. أنا العَرَضُ الجانبي, الذي أفسده اشتهائي مرة واحدة وللأبد .. أنا مَنْ أُقدِّم لحمي للأعمي وأعميه عن المُبصِر .. أنا مَنْ أسمع اسمي مُقترناً بالوجوب لأتعجب, فالأول يقول: يجب أن أكون سعيداً, والثاني كذلك, والثالث والرابع .. أنا لستُ لكل الأوقاتِ .. أنا الخزي لوجودي الدائم لا لعدم وجودي .. أنا مَنْ أسعد ألّا أوجد حين لا أكون قادرة على الوجود .. 

(7)   الحُرية.
أنا مَنْ تفيضُ روحي بالكآبة الخرساء .. أنا الواقفة وحيدة فى مدخل الميناء .. أنا الباحثة عن توأم للفلَّاحة العذراء[3] .. أنا مَنْ أُحارب بكل قوة لأجل الحُرية .. أنا مَنْ أُنازع فى أحلامي طيف المسئولية .. أنا الخَطر القابع فى قلب القّدّرية .. أنا "هيرا" وقد كبَّلني "زيوس" بقيود عشيقاته .. أنا المُنتقِمَةُ والمُنتفِضَةُ .. أنا الإلهةُ الظافرة فى حروب القدر .. أنا من حظيت بالفرصة الأخيرة, القائمة من الأموات لأُفني حيواتي السابقة .. أنا مَنْ أضفَّر -فى تناغم- مع المسئولية جوهر الوجود البشري .. أنا مَنْ مزّقتُ ميراث "اللاشئ /سوى", فالكل لاشئ سوى عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية, الكل ولستُ أنا .. الكُلُ ولستُ أنا!!

"لأنَّ أي شئ عظيم لنادرٌ أنْ تجده, وإنْ وجدته فصعبٌ -بنفس الدرجة- أن تُدركه" (إسبينورا).
تَمَّت.

25 / 2 / 2016.

 


[1] Cult.of.personality2020@gmail.com
[2] طبيب نفسي نمساوي ظل سجيناً حوالى ثلاث سنوات فى أسوأ المعكسرات النازية أيام الحرب العالمية الثانية مثل أوشفيتز, أسس مدرسة فى العلاج النفسي تُسمى العلاج بالمعنى logotherapy.
وفرانكل هو أحد الثلاث مدارس الرئيسية فى علم النفس: سيجموند فرويد والسعي للذة, ألفرد أدلر والسعي للقوة والتفوق على الآخرين, فيكتور فرانكل والسعي للمعنى.
[3] تمثال الحُرية نُحِت استلهاماً من ملامح فلّاحة شابة

No comments:

Post a Comment