Monday, December 21, 2015

العيد الذي أصبح فاتراً

العيد الذى أصبح فاتراً[1]
مــــــارك الــــــفـــــونـــــس[2]
"على المستوى الشخصي كان أكتر عيد له روح هو عيد الميلاد الذي تلى تفجير الكنيسة "كنيسة القديسين", مفيش لبس ولا أصحاب وحتى الخدمة إتلغت, واليوم كان عبارة عن زيارة للمصابين فى المستشفيات .. وكأن أعيننا إتحولت فجأة من المظاهر والذات واتجهت نحو الآخر , نحو مشاركة مَنْ يتألم .. نحو الحب"
((مشاركة ثمينة جداً من أحد الأصدقاء)) ..
عارف/ة إيه تعريف آينشتاين للغباء ؟!!
إنك تعمل/ي نفس الشئ بنفس الطريقة مرتين وفى كل مرة تتوقع/ي نتيجة مختلفة ..
Doing the same thing twice & expect different results each time ..
تأملوا فى الحوار التالي الذى دار بيني وبين أحد الأصدقاء :-
-هى: العيد مبقالهوش معنى وفرحته بقت مطفية كده "فاترة" !! .
-أنا: طب إنتى هتعملي إيه السنادي فى العيد ؟
-هى: هاروح الكنيسة وبعدين أخرج مع صحابي, زي كل سنة ..
-أنا: يعني هتعملي نفس اللى بتعمليه كل سنة وفى نفس الوقت عايزة النتيجة تبقى مختلفة وتلاقي معنى للعيد وتفرحي من قلبك .. إلخ ؟!!
-هى: أيوة , دي حاجات مينفعش تتغير , دي "طقوس" العيد –الكنيسة والخروج- ... بس أنا عايزة أفرح!
-أنا: أحب أقولك إن آينشتاين بيقول إنك غبية!! ..
هدف الحوار السابق هو توضيح نوع من التناقض Paradox ما بين إتجاهاتنا (إنى عايز أفرح) وما بين سلوكياتنا (بس بعمل نفس الشئ بنفس الطريقة اللى بيؤدي لنفس النتيجة:الفتور وغياب المعنى) .. التناقض ده موجود فى حاجات كتير فى حياتنا مش بس فى العيد : علاقة تستنزف طاقتي ولكني مازلت مستمر فيها, أو مثلاً إحساسي بفراغ حياتي من المعنى -ببساطة مفيش حاجة فى حياتي أقدر أقول إن عندى "شغف" Passion بيها- وفى نفس الوقت مستمر فى العيش بدون ما سلوكي يتغير نتيجة إحساسي ده ... ده بيسموه فى علم النفس "الإتسّاق مع الذات" , يعني ايه؟ يعني إن سلوكياتك اللى بتظهر للناس "عالمك الخارجى" مش هيّ هيّ دوافعك ورغباتك والحاجات اللى إنت عايزها "عالمك الداخلي" ... طب وبعدين ؟ الجزء اللى جاي هيحاول يشرح , ليه مبقيناش نحس بفرحة العيد – ليه العيد بقى فاتر ومالهوش معنى ؟ .. طب إيه هو معنى العيد أصلاً ؟ نعمل إيه عشان نفرح في العيد, نفرح بجد ؟ ...
فى النقط اللى جاية دي هنحاول نفهم المشكلة , ونحللها .. عشان نبدأ نفكر فى حل , وإتقسمت الأسباب –من وجهة نظرى- لنقط منفصلة عشان يكون سهل نفهم سبب سبب ..
**********
1. ماذا نفتقد حقاً؟! :- دايماً فيه حالة –بالذات بين الشباب- من النوستالجيا, إننا بنحّن لزمان , بنحّن لينا زمان , بنحّن للعيد زمان .. إحنا مش مفتقدين العيد , إحنا مُفتقدين ذواتنا , مفتقدين نفسنا زمان , وذلك فى صورة افتقادنا للعيد , العيد فى حد ذاته هوّ هوّ (مفيش العيد زمان والعيد دلوقتى) لأنه نفس العيد , إنما افتقادنا للعيد مجرد انعكاس لحاجة أعمق , إننا واحشنا براءتنا وبساطتنا ودُنيتنا زمان .. زى بالظبط شخص بيفتقد مكان لم يذهب إليه منذ سنوات , هنا المكان هو هو طول السنين دي ولكنه بيفتقد الذكريات واللحظات السعيدة التى عاشها فى المكان ده , هنا نفس الحكاية بس الذكريات فى الحالة دي مُرتبطة بزمن مش بمكان , الزمن ده هو يوم العيد.

طب ليه موجودة الحالة دي من النوستالجيا؟ -علماء النفس حاولوا يفسروا ده بطرق كتير, إتفق كتير منهم فى النهاية على سبب واحد سماه
Victor Frankl بالــ Existential vacuum أو الفراغ الوجودي , وسماه Rollo May بالـ Inner Hollowness أو الخواء الداخلي , وده بإختصار إننا حاسين إن حياتنا فاضية , إننا نفسنا فاضيين من جوه! , إن مفيش هدف أو معنى واضح لحياتنا (ممكن كل واحد يجرب يسأل نفسه إيه معنى حياتى دلوقتى؟ , وإيه الهدف الرئيسي اللى عايش عشانه؟ - كتير مننا معندناش إجابة واضحة عن السؤال ده) .. الموضوع ده بيظهر أوى فى حاجة إسمها Holiday Neurosis وده نوع من الإكتئاب بيصيب الناس اللى بتدرك أد إيه هى مش راضية عن حياتها لمّا زحمة الأسبوع تخلص والفجوة/الفراغ اللى جواهم يبتدي يظهر فى الأجازة فنلاقي ناس كتير –الشباب غالباً- بتصاب بحالة من الزهق/الملل/الإكتئاب فى فترات الأجازة الطويلة  .. وبإختصار لو إنت/ي مش عارف تجاوب على السؤال اللى فات ده فلازم تعرف إن ده مؤشر خطر Red Flag بيقول إنك لازم تبدأ تمشي في رحلة صعبة وشاقة جداً , رحلة البحث عن المعنى .. اللى بيساعدنا فيها فيكتور فرانكل ويقولنا فى كتابه Man’s Search For Meaning ثلاثة عوامل تساعدنا فى الرحلة دي :-

1. نعمل حاجة
Do a Deed "شغل أو مشروع معين" المهم إننا نعمل حاجة ونحاول نشوف هل للحاجة دي معنى بالنسبالنا ولا لأ. , كتير مننا مش عاجبنا شغلهم والمقابل المادى هو السبب الوحيد لاستمرارهم فيه.
2. نختبر شئ ما ونحس بيه "زى الجمال أو الحقيقة ..إلخ" ودي كل واحد ممكن يختبرها بطريقة خاصة بيه , أو نتلاقى مع شخص آخر من خلال الحب "إننا نحب حد" ده فى حد ذاته كفيل يخلي للحياة البشرية معنى.
3. الموقف
Attitude اللى هانخده تجاه المعاناة أو الألم Unavoidable Suffering الموجودين فى العالم "وبيدينا فرانكل مثال لشخص حقق ده من خلال إنه شاف فى تعذيبه وموته خلاص وفداء لشخص آخر هيترحم من العذاب ده"
**********
2. نافذة للتغيير :- دايماً السنة الجديدة تأتى وتأتى معها رياح التغيير , فنلاقي الناس تقول : "أنا من السنة الجاية هابطل أعمل كذا وكذا" .. " أنا من السنة الجاية هابدأ أعمل كذا وكذا" ... إلخ , وده فى الحقيقة مشكلة كبيرة , لأننا وسط ما إحنا بنعمل ده بيغيب عننا حاجة مهمة , هي إن التغيير مش لحظي , مش ف لحظة باقرر أعمل كذا أو أبطل كذا فبيتم ده .. خالص. بيكتب لنا دكتور Martin Peck فى كتابه "معنى الطب النفسي" : إن الشخص الراديكالي الذي يريد أن يقلب الدنيا كلها رأساً على عقب ومثله الإنسان المحافظ الذي يرفض أية مخاطرة ويريد أن يبقى كلِ على حاله , يعمل كل منهما ضد التغيير وكلاهما يفتقر إلى الإتزان العاطفي .
وبرده الفيلسوف الدنماركي كيركجارد بيقول :-
ربما يقول الإنسان: كل هذا بسيط جداً إنها مسألة لحظات, أتخذ قرار وكل شئ يصبح على ما يرام مثل سباح جرئ يقفز إلى البحر مؤمناً أنه سيُحمَل ضد كل التيارات المعاكسة ... ولكن محاولة الطيران قبل أن تتعلم المشي لهو أمر خطير جداً. لا تطر إلى السماء بقرارك وتتناسى أنه مجرد بداية!!
نتيجة غياب هذا الوعي عند الغالبية منا, بنلاقى أنفسنا كل سنة نوعد ونوعد ولكن منوفيش, والسنة اللى بعدها نقول هى دي السنة اللى هاغيّر/هاتغير فيها, وكل ده بيروح أدراج الرياح لأننا مُحملين بثقافة إتخاذ القرار ولكن بتغيب عننا ثقافة "البدء فى تنفيذ القرار" ... كل اللى قولناه ده سنة ورا سنة بيسبب إحباطات مُتراكمة , وتلاقي الشخص بيقول لنفسه "السنة دي هاعمل ..." فى نفس اللحظة يشعر وكأن ذاته بترد عليه "ما إنت كل سنة بتقول وتقول .." , هنا بيظهر غياب الإتسّاق مع الذات زي ما إتكلمنا عنه والصراع بين العالم الخارجي والعالم الداخلي .. وأخيراً منقدرش ننكر تأثير الإحباطات المُتراكمة دي علينا فى فقدان معنى الكريسماس أو عيد الميلاد.
**********
3. البعد اللاهوتي الغائب :- بيكتب لنا هنرى بولاد فى كتابه All is Grace ويقولنا إن الماضي مالهوش قيمة فى ذاته! لأنه خلاص خلص! , إنما بيستمد قيمته من الحاضر , يعني ايه؟ يعني مدى استفادتك من الماضي ده دلوقتي هو اللى هيقول الماضي ده ليه قيمة "بالنسبالك" ولا لأ .. يسوع إتولد من حوالى 2020 سنة عدت! , أنا بقى باحتفل بالحدث ده ليه "دلوقتي" ؟ .. لما سألت أكتر من شخص سمعت إجابة واحدة : "عشان الكنيسة والناس كلها بتحتفل بيه, واضحة يعني!!" وده هينقلنا للنقطة اللى بعد كده , بس خلينا دلوقتى نركز فى السؤال ده , ليه بنحتفل بحدث عدى عليه عقود وعقود من السنين!! .. الإجابة اللى وصلتلها هى إننا مش بنحتفل بالحدث. نعم! .. أيوة إحنا مش بنحتفل بإن المسيح ((إتولد)) فى الماضي , إنما بنحتفل بإن المسيح ((بيتولد)) ولادة جديدة كل سنة. إزاى يا جدع ؟!! ... فى كتاب "الإنجيل بعيون معاصرة" بيقولنا الأسقف هيلدر كامارا إن قيمة الحدث الإنجيلي "زى ميلاد المسيح" هى فى تأوينه , يعني ايه؟ يعني إننا نخلي الحدث ده حاضر فى وسطنا دلوقتى,هنا والآن , يعني إزاى المسيح يتولد من جديد فى العيد ؟ الموضوع ده بيحصل بينا وفينا , بينا يعنى إحنا اللى بنعمله لما بنجدد اللى عمله يسوع .. يسوع ساوى نفسه بالبشر كلهم, بالبشرية .. وبالتالى إحنا علينا إن أفعالنا فى العيد تنطلق من هنا , من إنها تبقى بتساوينا مع باقي البشر "زى ما عمل المسيح إحنا هانعمل" (ده معنى زيارات دور الأيتام أو دور المسنين أو مساعدة أخوة الرب .. إلخ) البعد اللاهوتي لتلك الممارسات هو إنها بتساوينا كلنا كبشر مع بعض زى ما يسوع ساوى نفسه بينا فى التجسد , ده معنى إنها بتحصل فينا ... وبكده نكون حققنا التأوين اللى إتكلمنا عليه ..
وفى نفس الكتاب
All is Grace بيقولنا هنرى بولاد إننا بننغمس Immerse ourselves فى الماضي ونحن لذكرياتنا "ذكرياتنا مع العيد مثلاً وإحنا صغيرين" لأننا مش لاقيين معنى فى الحاضر "العيد فقد معناه بالنسبالنا دلوقتى" , أو بمعنى آخر بنحاول ندور على المعنى ف اللى كنا بنعمله زمان لأننا مش لاقيينه دلوقتى , وطبعاً بنفشل , لأن اللى بنعمله ده مش بيحل المشكلة ... وهنا يظهر محورين نخرج بيهم من الأزمة دي: البعد اللاهوتى اللى إتكلمنا عليه دلوقتى واللى بالمناسبة متوافق جداً مع نظرة علم النفس فبيقولنا ألفرد أدلر مؤسس علم النفس الفردي إن ((التوحد –الإتحاد الكامل- مع باقي البشر هو واحد من أقدم الطموحات البشرية)) . ,, المحور التاني هو إننا نعيش ملء الحاضر Fullness of the Present بتعبير بولاد , أو بالتعبير الشعبي "نعيش اللحظة" , يعني يبقى عندنا إدراك إن اللحظة اللى بتمر دي مش هاترجع تاني, فنحاول نعيش فيها على أد ما نقدر .. يبقى عندنا وعي ممكن نسميه "الوعي بالجديد" .. بإن كل عيد نفس الطقوس وممكن نفس الممارسات , ولكن ذكريات جديدة , مواقف جديدة , تواصل جديد مع الآخر , تعميق للعلاقات وتكوين أخرى جديدة .. إلخ.

وختاماً هاسيبكوا تتأملوا في الحوار ده مع دوم هيلدر كامارا رئيس أساقفة "ريسيف" بالبرازيل :-
-المحاور: نحن فى الميلاد الآن دوم هيلدر, هل هناك أى ليلة ميلاد طبعت أثراً فى حياتك ؟
-دوم هيلدر: فى كل بلاد العالم مثل بلدنا نستطيع أن نعيش هذا الحدث كل يوم تقريباً, لأننا بالفعل نعيش فى مأساة الأرض. هناك شركات كبيرة تشتري مساحات شاسعة من الأراضي فى الريف وبالتالى تضطر العائلات التى عاشت هناك لسنوات وسنوات إلى الرحيل, وعندما تصل هذه العائلات إلى المدن مثل مدينة ريسيف, يبحثون عن مكان للإقامة. عادة ما تكون الزوجة حاملاً فينتهي بهم الوضع إلى بناء أكواخ بائسة , نستطيع القول أنها أقل من الأكواخ , حيث الحياة دون مستوى معيشة البشر , وهى دائماً قرب المستنقعات , وهناك يُولد المسيح. ليس هناك بقرة أو حمار, ولكن هناك خنازير, خنازير وفراخ أحياناً. إنها المغارة , مغارة العصر الحديث ... فى عيد الميلاد كما هو معتاد أحتفل بالقداس فى كنائس متعددة ولكن أيضاً أحتفل بالقداس فى إحدى تلك المغارات, لا أجد سبباً لأقوم بالحج إلى بيت لحم –حيث وُلد المسيح- لأنى أرى المسيح فى كل لحظة يولد هنا بالجسد مع كل طفل يولد فى تلك الأماكن , مهما كان اسم المولود : جو , فرنشيسكو , سبستيان ... , ولكنه هو المسيح.
آه , كم نحن عميان , كم نحن صُمّ , كم من الصعب أن ندرك أن الإنجيل لا زال يحدث اليوم . . .
**********
4. قوة المجتمع Power of Conformity :- جرب كده متنزلش الكنيسة يوم العيد, جرب تحضر قداس ليلة العيد فى أحد الأديرة مثلاً , روح أى مكان إنشالله تعد فى البيت .. غالباً هتلاقي الناس هتعتبرك إنسان غريب الأطوار أو هيقولولك : "هو فيه حد مبينزلش الكنيسة يوم العيد ياعم!!" مع نظرة هى خليط من الدهشة والاستنكار ... أو لو إنت/ي قررت متخرجش مع صحابك زى كل سنة , أو متروحش معاهم نفس دار المسنين اللى بتروحوها كل سنة .. إلخ , هتلاقي نفس رد الفعل .. ده ليه ؟ لأن ببساطة الناس أو المجتمع ككل "سواء الكنيسة أو مجموعة الأصدقاء أو الأهل .. إلخ" حطوا شكل معين form لتقضية يوم العيد , لا يجرؤ أحد منهم غالباً على التشكيك فى جدواها أو التساؤل عن فعاليتها فى الاحتفال بالعيد , إنما هى موجودة وتُمارس كل عام ولا يمكن المساس بها , هذه المظاهر الاجتماعية تكتسب نوعاً من القوة اسمها قوة التشكل إننا لازم ناكل أكل فطاري ليلة العيد (مع إن من فهمنا للبعد اللاهوتي بنقول إن دي ممارسة تبعدنا عن المساواة مع المتألمين من البشر مش بتقربنا ليهم) , إننا لازم نحضر حفلة العيد الصبح , إننا لازم نعمل كذا وكذا ..

عيد ورا عيد الإنسان بيسأم من الفورمة دي , من إنه كل عيد بيقضيه بنفس الطريقة (جوهرياً نفس الطريقة وإنْ اختلفت المظاهر) الموضوع ده اسمه الــ
Habituation .. وبالتالى فهو جواه قوة نتيجة الHabituation بتدفعه للتغيير , وفى نفس الوقت فيه قوة التشكل بالمجتمع Conformism اللى بتخليه يلتزم بالتقاليد والممارسات المتعارف عليها كل عيد .. القوتين دول عكس بعض , ولكن من الواضح إن عند الأغلبية قوة المجتمع بتكسب , فتقوم القوة المنهزمة "قوة التغيير" تُعلن عن نفسها فى صورة انعدام المعنى للممارسات المتكررة (والممارسات الليتورجية أيضاً) .. كرد فعل على قهر المجتمع لها , وفى الحقيقة انعدام المعنى ده تعبير متوارِ Hidden عن الذات , يعني ايه؟ يعني إنت شايف إن فيه حاجة غلط في الموضوع, شايف إنك بتحاول تفرح بالعافية أحياناً, شايف إن العيد كل ما بتكتبر مش بيبقاله معنى .. ده مؤشر لأن جواك قوة وإرادة ذاتية مختلفة عن قوة وإرادة المجتمع وبتعبر عن نفسها بشكل ما , دي حاجة كويسة .. فى حالة إنك استغليت إحساسك بغياب المعنى ده فى إنك تترجمه فعلياً لسلوك وتكسر تابوهات المجتمع .. تخيل شخص يوم العيد يلبس هدوم قديمة بالية وينزل المستشفيات يزور المرضى ويخفف عنهم آلامهم ثم يعود إلى بيته آخر اليوم وهو يعلم أنه قد فعل أمراً عظيماً ! ,  أو تخيل شخصاً يكّرس جزءاً من يوم العيد ليختلي بذاته مع الله فى حوار هادئ متأمل عشان يعيد ترتيب أولوياته ويعرف كيف يُصبح مسيحاً منسفكاً لأجل الآخرين فى هذا اليوم !! –قد تقول إن الكلام ده مش عملي أو "أنا ماقدرش أعمل كده" أو "إيه الجنان ده" , ولا أجد سبباً واحداً يمنعك من تطبيق ذلك سوى قوة المجتمع القاهرة , ولا أجد سبباً واحداً يجعلك تقول هذا الكلام سوى أنك لا تحكم بالمعيار اللاهوتي الحق بل تحكم بمعيار المجتمع !! ... خلي معيارك دايماً لأفعالك يوم العيد هو البعد اللاهوتي السابق "إزاى يسوع يتولد بيّا النهارده" , وميكونش المعيار هو المجتمع , وجود المجتمع كمعيار يحّول الاحتفال بالعيد إلى مناسبة اجتماعية تعج بالمظاهر من الأكل واللبس والخروجات والفُسح فى ظل إهمال تام وكامل للبعد الروحي اللاهوتي..
وأخيراً بيكتب لنا دكتور Antony Storr فى كتابه بعنوان Solitude أو الإعتكاف الآتي :- "ولاشك أن ابتعاد المرء عن بيئته التى اعتادها يساعد على تحقيق تفهم المرء لنفسه, وعلى أن يكون على اتصال مُباشر بتلك الأعماق الداخلية لوجوده التي تفوته ملاحظتها فى حياة الهرج والمرج التى تطارده كل يوم بشكل صاخب" ...
**********
5. هو العيد فرحته راحت مع السنين؟!!! :- إرتبط العيد عند معظمنا منذ أن كنا صغيرين بمجموعة من الممارسات , ننزل نجيب لبس العيد , نخرج مع بعض ندخل السينما .. إلخ , مشكلتنا بدأت تظهر لمّا بدأنا نحس إن نفس الممارسات اللى كانت بتفرحنا جداً دلوقتى مبقاش ليها طعم! , ليه بقى الموضوع ده بيحصل ؟ ... الموضوع بالظبط عامل زى إتنين بيحبوا بعض , فى بداية علاقتهم بيبقوا مشدودين لبعض جداً, منجذبين لبعض إنجذاب كبير ,هايمين ببعض! , الحالة دي إسمها Infatuation .. وبعد كده بيبدأ الموضوع ده يقل حبة حبة لغاية من الأمور ترجع طبيعية تاني والحماس ده ينتهي , ده بيحصل فى العيد برده , وإحنا صغيرين كنا مبسوطين بالعيد أو كنا هائمين بالعيد Infatuated .. زى طفل في إيده لعبة بيبقى مشدود ليها جداً فى البداية , كل ما بنكبر حالة الــ Infatuation دى بتقل! ومعاها بتقل فرحتنا ويقل إحساسنا بنفس الممارسات اللى كانت زمان "بتطيرنا من الفرحة!" , طب ليه بيحصل ده؟ ... لأننا ربطنا سعادتنا بمجموعة من الماديات (اللبس, الفسحة, الخروجة, الأكل ..) ومع الوقت استُهلكت الماديات دي بطبيعتها وراح الـ Infatuation وراحت معاه سعادتنا! .. فبقيت الممارسات ولكن حالة الهيام دي راحت وبالتالي سعادتنا راحت معاها لأننا مفرقناش بين الإتنين , مفرقناش بين حالة الهيام دي وبين السعادة أو الفرحة اللى بجد , عشان كنا لسه صغيرين طبعاً ومش فاهمين ... إنما دلوقتى نقدر نفرّق بين الإتنين , نقدر نفهم إن اللى كُنا فاكرينه فرحة طلع ماهو إلا سعادة مظنونة Perceived Happiness وأنه فى الحقيقة طلع Infatuation زى ما شرحنا.
لحد هنا كويس, بس نعمل إيه عشان نلاقي الفرحة اللى بجد؟ -أنا معنديش إجابة , وأعتقد إن الإجابة هنا ذاتية يعني كل واحد مسئول إنه يدور ويلاقي إجابته الخاصة به هو .. ممكن أقولك إن الفرحة فى تطبيق المعيار اللاهوتي اللى إتكلمنا عليه , ممكن أقولك إن الفرحة فى تعميق التواصل بينك وبين أشخاص فى حياتك لحظة العيد بتبقى فرصة إنكوا تتجمعوا وتتواصلوا بجد ويبقى فيه محبة وشركة حقيقية بينكم , ممكن أقولك إن الفرحة فى إنك تكلم صديق قديم وترجّع قناة الإتصال ما بينكوا لأنك "بتعيّد عليه" .. ممكن أقولك حاجات كتير , لكن فى النهاية يبقى دورك ومسئوليتك إنك تدّور على أسبابك الخاصة لو عايز تفرح بجد , ومتستناش حد يقدمهالك على الجاهز!
**********

 



[1] هذه المقالة يجب أن تُقرأ دفعة واحدة , كي تكتمل أركان الصورة التى أحاول نقلها .. إذ أن فقدان أحد أركان تلك الصورة بنتج صورة أخرى مشوهة تماماً
[2] Cult.of.personality2020@gmail.com


2 comments: