Sunday, May 3, 2015

الاحتياجات الإنسانية - رؤية جديدة


1. النقص والحاجة والدافع Inferiority, need & motive : يكتب لنا ابراهام ماسلو أن الدافع يتولد داخلياً عندما يشعر الإنسان بحاجة لشئ ما فيتولد دافع لإشباع هذا الاحتياج لملء النقص الذي يشعر به ، عبر ماسلو عن الدافع بكلمات أخرى كالرغبة desire والشوق eager . أما ويليام جلاسر فيكتب: تنشأ المشكلات النفسية عند فشل الإنسان في سد حاجاته بمعنى أنه يصبح غير قادر على تسديد احتياجاته الأساسية essential needs وهنا نشير لأن المشكلات النفسية يقصد بها تلك التي تصيب الإنسان العادي الذي يشعر بأن هناك شيئاً ما به فهو غير سعيد أو مكتئب .. إلخ.

 

2. التعويض المتطرف extreme compensation : قدرة الإنسان على تسديد احتياجاته تتفاوت ومن ثم فكلما قلت القدرة على التسديد زادت الأعراض فمثلاً طفل يهمل في دراسته ويبدي الاستهتار بها 'سلوك' لأنه بهذا يحصل على الاهتمام من والديه 'احتياج' حيث فشل والداه في التسديد السليم لهذا الاحتياج مما ولد 'الدافع' . وقد يختفي العَرَض إذا تم تسديد الاحتياج بطريقة سوية ولكن ألفرد أدلر يجادل أن بعض البشر ليست لديهم القدرة على تسديد احتياجاتهم. هذا العجز كما يشير هو acquired  مكتسب وليس innate أصيل فيه.

 

3. ما بين الاحتياج الحقيقي true need   و الاحتياج المظنون perceived need  : يوجد بعض الاحتياجات يشوبها الخلط فيُتعقَد أن الإنسان لن يتمكن من عيش حياة سليمة بدونها في حين أنه فقط يظن ذلك وأنها ليست أساسية على الإطلاق ، وذلك الخلط برره البعض كويليام جلاسر بأن الإنسان أساساً كائن غير منطقي irrational being  . مثال: رجل بسيط جل ما يملك في الحياة عشرين ألفاً من الجنيهات.عند زواج ابنته الوحيدة كان أمام أن يعطيها النقود لما 'تحتاجه' في حياتها الجديدة أو أن يصرفهم في هدايا المدعوين وطعامهم والبونبون فهذا فرح ابنته وهذا ما "تحتاج" ويقرر قرار البونبوني ، هل هذا القرار رغم موافقة العروس يمت للمنطق في شئ!

 

4. الحاجة للزواج : من أهم النماذج لتلك المفارقة الاحتياج للزواج ، ففي حين يتيقن البعض من أساسية الاحتياج للزواج من حيث الإشباع الجنسي أو الإشباع النفسي ، إلا أن التاريخ ملئ بأناس لم يتزوجوا أو ينخرطوا في علاقات عابرة حتى ومع ذلك نطالع مذكراتهم لنكتشف أنهم عاشوا سعداء وراضيين في حياة سوية متزنة. الاحتياج المظنون قد يكون شيئاً طيباً بل رائعاً كالزواج إلا أن تصديره كاحتياج اساسي من قبل المجتمع الذي خلق هذا الاحتياج داخل الإنسان يهيئ حالة من الاعتلال الكاذب pseudo-sickness على المستوى النفسي عند البعض. هنا تكمن المشكلة.

 

5. سطوة المجتمع : يجدر هنا الإشارة لما يسمى بقوة التشكل power of  conformity وهو أن أريد ان أكون بشبه من بجانبي في المجتمع فلا ينظر إلى باعتباري مختلف، البعض يحلل بهذا المبدأ ظواهر  كالموضة Fashion أن ترى مثلاً شخصاً يرتدي شيئاً ما فيذهب ليرتدي مثله لأجل الرغبة في التشكل وإن تفرد بشئ ما يأتي آخر ويتشكل به وهكذا دواليك . ظاهرة أخرى هي الإعلانات التجارية  commercials التي تلعب على وتر 'أنا أريد أن أكون شبه هذا الشخص في الإعلان ' فهو يملك سيارة لا أملكها -مثلاً- إذا اشتريتها سأصبح سعيداً. وهو مبدأ لا يمكن إهماله اليوم فى مجتمع استهلاكي من الطراز الأول . هذه القوة للتشكل هي أحد أهم الأمراض الاجتماعية التي تصيبنا كبشر.

 

6. ما بين السعي seekness والقناعة contentment : ويكتب لنا فرانسيس شيفر في هذا الصدد : كيف تصبح الرغبة العادية proper desire اشتهاء coveting ؟ ببساطة عندما تفشل أن تحتوي على محبة الله ومحبة الآخر فعندما نفتقر القناعة تتحول الرغبة لتحدي للذات ولله شخصياً. فعندما لا يكون الانسان قانعاً يخرج للحياة مطارداً احتياجات مظنونة اعتقاداً منه أنها ستجلبه السعادة ولكن توقعاته تخيب شيئاً فشيئاً.

 

7. تسديد الاحتياجات need fulness : يقول ماسلو أن الاحتياجات الإنسانية هي كالحُفر Holes لا تملأ إلا من الخارج from without . هذا ما كتبه ماسلو وهو صحيح إلى حد ، ولكن الإنسان يستطيع أن يتسامى فوق سطوة احتياجاته. هذا التسامي transcendence عبّر عنه ق.أوغسطين بعبارته الشهيرة : اريد أن أعرف نفسي وأعرف الله. ولا شئ آخر. وماسلو يتابع : يبدو أن الإنسان تحت رحمة الإنسان الآخر لتسديد احتياجاته. يبدو هذا صحيح وهو كذلك بقدر ما ، وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هام. إلى أي مدى يمكن للإنسان تسديد احتياجاته في غياب الآخر أو بمعنى آخر تسديدها مع التحرر من قوة المجتمع ؟ لا توجد إجابة أوضح من (فيلبي 12:4) " ليس إنى أقول لكم من جهة احتياج. فإني قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه. أعرف أن أتضع وأعرف أيضاً أن استفضل "  فيخبرنا ق.بولس أن التحرر من المجتمع يستلزم نوعاً خاصاً من التعلم. تَعلُّم أن يكون حراً. هذه الحرية تستلزم نقطة مرجعية تمثل مركزاً للإنسان يرتكز عليها في مسيرة انطلاقه نحو التحرر. وببساطة يخبرنا بولس عن مركزيته الخاصة  "استطيع كل شئ في المسيح" . .

                          

8. كيف يسدد الله الاحتياجات ؟ : بعض الناس تنتظر من الله أن يسدد احتياجاتها الإنسانية ولكن هذه العبارة ضبابية جداً. فمن جانب إنْ أسقط الإنسان مسئولية إشباع احتياجاته على الله لن يجد إلا خيبة الأمل فشخص متزوج لا تحبه زوجته فيشعر أنه بما أن الله صمم الزواج ليكون شركة حب ، إذن على زوجته أن تحبه ويجب أن يصلي فقط ليجعل الله زوجته تحبه. هنا الأمر مُلتبس بشكل كبير فمسئولية مبادلة زوجته إياه الحب تقع عليها ثم عليه ، لا يمكن لله أن يسدد احتياجه لحب زوجته. لكن المسيحية تمنحنا بعبارة بول تورنييه : قوة قبول الضعف. أي أنه يصل  -خلال الصلاة - أنه يحتاج الحب نعم ولكنه حقيقة لا يحتاج حب زوجته بالذات. هنا لم يُشبع الله الاحتياج بمعنى أنه سدده بل منح الإنسان القدرة على "قبول الحرمان الحسي" بتعبير آباء الشرق وتخطيه ، وهنا نتذكر ما كتبه رولو ماي في هذا الأمر، أن الصلاة في حد ذاتها ليست جيدة ولا سيئة , ولكن قيمتها ذاتية أى أنها منوطة بتأثيرها في حياة الإنسان إيجاباً أم سلباً.

 

9. حقيقة الاحتياجات الثانوية : فى رؤية أخرى تحمل نفس الإتجاه يكتب لورانس كراب أن هناك نوعين من الاحتياجات:  احتياجات أولية primary  ، واحتياجات ثانوية أو مكتسبة. aquired  الأولى يشير كراب أنها وُضعت في الإنسان من قِبَل الله ولابد أن تُسدد كالحب والأمان. والتي إن فقدها الإنسان كلية يتجه تلقائياً للانتحار أو الذهان . psychosis ففي حين يزعم أحدهم أن والديه أو زوجته لا يحبانه :-  

أولاً
: لا يمكن أن نجيبه أن الله يحبه وأنه ينتمي للمسيح فالنقطعة المرجعية كما أشرنا هي دعامة ينطلق منها الإنسان للحياة مسدداً حاجاته لكنها لن تسدد أي شئ. الخطر هنا أنه عند اصطدام الشخص بواقعية عدم التسديد يتملكه شعور بالذنب قوي جداً وهو زائف في حقيقته  pseudo-guilt أنه أدنى وأحقر من أن يحبه الله وعادة يوجد هذا كشعور غامض بداخله رغم معرفته نظرياً أن الله يحبه ويقبله كما هو.

 

ثانياً : يمكن تمييز محورين للتعامل الناضج نفسياً مع تلك المشكلة.  قوة قبول الواقع كما أشرنا ، ثم البحث عن البدائل من أجل تسديد مطلوب لهذا الاحتياج .  ويجدر الإشارة أن سمة التسديد الناضج للاحتياجات بالبحث عن بدائل هى عدم الإلحاح أو اللامطالبة . non-demanding يشرح هذه الكلمة رجلاً طلب من أحدهم أن يعطيه ماء ليشرب فرفض. يمكن للرجل هنا أن يتركه ببساطة ويبحث عن آخر يطلب منه تسديد احتياجه، أو يتمسك بالشخص الأول يطالبه ويطالبه بإعطائه الماء ويعذبه إذا رفض، ألا ترى أي من السلوكين يعد ناضجاً.

 

ثالثاً : الاحتياجات الثانوية سمتها الرئيسية أنها تستخدم بشكل غير مباشر لتسديد الاحتياجات الأولية ومن ثم فهي ليست احتياجات أصيلة بل تستخدم لتسديدها. المال ، القبول approval ، الأصدقاء ، الزواج ، الترفيه entertainment ، الأطفال ، السفر ، الخدمة الناجحة. أمثلة صادمة كما أشار كراب ولكن الإنسان فى حقيقة الأمر لا يحتاج أياً منها كي يعيش إنساناً كاملاً whole person . وأنه يستطيع تحقيق الذات بدون أي من هذه الأشياء. ومرة أخرى يضيف كراب : إن الألم الناتج عن العجز والنقص هو الذي يدفعنا للقيام بشئ فى هذه الحياة. هذا الألم قد يكون بناءاً : تبني قيم معينة، وضع أهداف نبيلة والسعي لتحقيقها .. إلخ أو هداماً : كتحقير وإهانة الآخرين، فقدان القدرة على احترام الذات self esteem .. إلخ.

 

 

 

*******

 

المراجع.

1.Maslow , Abraham . Towards the psychology of being . Van Nostrad edition , 1968. 
2.May , Rolo . Man's search for himself . Norton , 1953.

3. Glasser , William . Reality Therapy .. 1960.

4. Crabb , Lawrence . Effective biblical counseling .. Zondervan , 1975.

5. Adler , Alfred . Understanding human nature .. 1927 , OneWorld 1992.

6. Schiffer , Francis . True Spirituality .. PDF Copy .

No comments:

Post a Comment