Sunday, May 3, 2015

ماذا يحتاج الإنسان كى يعيش حياة متزنة


1. إن هناك غريزة داخل الإنسان تسمى غريزة التفرد Individuation أو تحقيق الذات  self-actualizationبتعبير ابراهام ماسلو.  وهو ما أسماه أيضاً كارل روجرز بالتأدية بشكل مثالي فى الحياة fully-functioning . هذه الغريزة الموجودة بداخل كل فرد تحتاج شئ هام اسماه ويليام جلاسر في كتابه العلاج بالمعنى، بال Identity أو الهوية  "أن يدرك من هو" . و لا ننسى أن المسيح بنفسه أقر ذلك التفرد عندما قال "تحب قريبك كنفسك" ويشرحها لنا كيركجارد بقوله: إن لم تحب نفسك فلن تستطيع أن تحب قريبك على الإطلاق.

 

2. رأى كثيرون من علماء النفس أن هناك طريقين لتحقيق النفس. الأول هو الحب، والثاني إدراك القيمة. ويكفي توفر قدر مناسب من الاثنين لخوض تحديات الحياة.

 أولاً : الحب . في الحب نميز شقين: أن نستقبل الحب وأن نعطى الحب هذين الشقين يعملان فى توازن ومعية Synergy دائمين فنادراً ما نجد شخصاً لا يمتلك قرون الاستشعار المستقبلة للحب لديه القدرة على أن يُحب ويعطي الحب لشخص آخر. وإذا اختل مخزون الحب réservoir d'aimer تختل قدرة الفرد على الحياة بإتزان ويبدأ فى التساؤل ما المغزى من حياتي .. أن أولد وأعيش 70 أو 80 عاماً ثم أموت .. !! وهو قد ينجز وينجح وظيفياً وحياتياً إلا أنه يشعر في داخله بأن تلك الانجازات ليس لها معنى.


ثانياً : إدراك القيمة : في القيمة نميز بضعة ملامح رئيسية: أولاً القدرة على وضع أهداف عملية على المدى الطويل 'لسنوات' والقصير 'لليوم وغداً' ، هذا بالتأكيد يعطي إحساس بالقيمة. ثانياً القدرة على تحقيق هذه الأهداف التي تم وضعها. ثالثاً القدرة على تحمل المسئولية وإتمام الأعمال بكفاءة وهذا الإتمام يعتمد بشكل كبير على مواهبه وما يشعره بالسعادة لذا فإن بدأ المرء عمل career لا يحبه سيؤدي ذلك في النهاية لاضطراب في احساسه بالقيمة. يقول لورانس كراب: إن التفاعل الإيجابي مع الآخرين والتأثير فيهم من أهم وسائل تحقيق الذات. رابعاً القدرة على مواجهة الفشل بنجاح و القدرة على توليد البدائل ومن ثم تخطي هذا الفشل.

 

3. قد يكبت الإنسان حاجته للحب إذا حُرم منه في سنوات طفولته، في هذه الحالة يفقد الشخص القدرة على الإحساس بالآخرين أو التعاطف معهم، كما يحاول أن يصدر للآخرين أنه ليس بحاجة لأحد، تلك الانعزالية قد تركز اهتمامه على العمل فينجز وينجح على نحو واسع، إلا أنه يتألم بداخله وبالتالي يفقد الحياة المتزنة. ويخبرنا الإنجيل بالبعد الرأسي لاحتياج الشخص للحب فى شكل أمثلة على لسان المسيح مثل إن نسيت الأم رضيعها فالأب السماوى لا ينسانا ، ولكن المفارقة هنا أن البعد الرأسي وهو العلاقة مع الله لا يكفي ولا يُغني عن البعد الأفقي أي العلاقة مع الآخرين وهذا قاله المسيح نفسه: وصية واحدة أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم، وقد يوجد استثناءات ولكن إدراكنا لها لا يجعل منها قاعدة. فلا يمكن أن تقول لشخص يشعر بالحاجة للحب أن الله يُحبك، فبإمكانك أن ترى بنفسك إنْ كان ذلك سيجديه نفعاً على الإطلاق !


4. كتب فيكتور فرانكل أن المشكلة الأولى التي وجدها في الانسان فى هذه الحياة هي غياب المعنى فالحياة فى حد ذاتها لا تعلم المعنى بل علينا أن نمتص من الحياة معنى لأنفسنا. فالسابقون لم يورثونا سوى انعدام المعنى ولو سألت الكثير من الناس "ما الذي تعيش لأجله؟" ستأتي جميع الاجابات مادية بالأساس  "شغل كويس وست كويسة وبيت وعيال، هاعمل ايه تاني" . تلك كانت إجابة أحد الأشخاص البسطاء تم سؤالهم في الشارع.

 

 5. من الخطأ التعامل مع الزواج والعمل والمال بصفتهم المعنى . فهم ليسوا المعنى ، هم وسائل لتحقيق المعنى..  أدوات Tools لتسهيل عملية الحصول على المعنى إذا وضعت في نصابها الصحيح ، أو على الصعيد الآخر تحويل تلك الأدوات إلى المعنى وهذه أكبر خديعة صدرها لنا عصر النهضة بتعبير رولو ماي. ورغم تبني بعض المفكرين في التاريخ لصدفة وجود الانسان والعبثية المسببة للغثيان كما قال جان بول سارتر . إلا أن انشغال الإنسان بفكرة وجود المعنى يخبرنا أن الأمر ليس بهذه السذاجة.

 

6. كتب لنا برنار جراوندز Bernard Grounds في خمسينيات القرن الماضي أن الحياة المتزنة/الصحة النفسية تتطلب الاقتناع في يقين أن هناك معنى للحياة. وختاماً في بحث الإنسان عن المعنى يجب عليه أن يسأل نفسه تلك الأسئلة التى كتبها الفنان الفرنسي جوجان بريشته على لوحة فنية يتسائل فيها : من أين أتيت؟ إلى أين أنا ذاهب؟ هل ما أفعله في الحياة يحقق تلك الأهداف التي وضعتها لنفسي؟

 

7. كل إنسان يحتاج لوجود هدف ما حياته - حتى لو كان النوم وعدم فعل شئ- ولكن مع وجود الهدف قد يعاني الشخص من اللامعنى نتيجة أنه لا يكرس النفس والطاقات والكيان بشكل كامل لتحقيق هذا الهدف رغم أن هذا التكريس أو ال Devotion صفة رئيسية في الإنسان وهى ترتبط بالتفرد التى أشرنا إليها سلفاً ، فوجود أهداف جميلة ليس كافياً. فالمشكلة أنه قد تحدث معوقات عدة في نشأة الفرد تمنعه من هذا التكريس ومن الالتزام بذلك القانون الأخلاقي الذي وضعه لنفسه.

                                                                        

8. بدون وجود هدف، لا يمكن أن يشعر الإنسان بقيمته. ولحصول الإنسان على الإتزان النفسي فيما يخص أهدافه :-

أولاً:
ألا يكون الهدف هو نفسه/  ذاته بمعنى أن يكون الإنسان هو محور هدفه بل أن يكون شئ خارج عن كيانه وعن دائرة احتياجاته فالعمل والسكن والأمور المادية وما إلى ذلك رغم أهميتها ليست أهداف بل وسائل كما أشرنا ، وغياب الهدف أو تحول الوسائل لأهداف وهو أخطر يسبب الإحساس بالفراغ emptiness وانعدام المعنى meaninglessness والملل burden .

ثانياً : هو أن يكون الهدف إنسانى ويتخطى الإنسان فى آن بمعنى أن يكون الهدف فى صميم النشاط الإنساني ولكنه أعظم من الإنسان فى الوقت نفسه كى يعطيه المعنى فالحفاظ على الطيور مثلاً شئ رائع إلا أنه ليس هدفاً لأنه بلا معنى وهذا يضعنا أمام مشكلة كبرى .. ما هو الأعظم من الإنسان نفسه؟. أعتقد شخصياً أن الإجابة على هذا السؤال ذاتية بالمقام الأول - أن كل إنسان لديه مسئولية الوصول إلى إجابة خاصة به - ولكن نميز الله من جانب المؤمنين والإسهام فى حياة الآخرين بالتأثير الإيجابي فى البشرية من جانب العلمانيين كمحاور رئيسية للارتكاز عليها فى البحث .

                                                                   

9. أصبح إنسان اليوم وتحت الضغوط الاقتصادية لا يسعه إلا الجري وراء "لقمة العيش"  فالبعض يعمل حتى 12 ساعة يومياً ! ثم يذهب للكنيسة يوم العطلة متوقعاً أن يجد المعنى، ولكنه ببساطة لن يجده فالمعنى ليس في الكنيسة ولا ساعتي القداس الإلهي، فالمشكلة أنه أصبح كالآلة معللاً ذلك بعبارات مثل "هذه هي الحياة" و "يجب أن أفعل ما عليّ فعله لصالح أسرتي"  ، فقد ورثنا هذا المأزق واستيقظ وعينا أول ما استيقظ لنجد أنفسنا فيه وأصبح الآن على كل إنسان أن يجد مخرجه الخاص من هذه الدوامة التي يفرضها المجتمع. فهذا النمط الآلي من الحياة يولد نوع من التوتر .. هذا التوتر يعمل كقوة مانعة للإنسان من الخروج عن النمط مما يزيد من صعوبة المهمة.

 

10. من أهم مشاكل الإنسان اليوم أنه يشعر بالذنب والخوف ، وهذا ليس بجديد حيث عبرت عنه الروايات التراثية القديمة "انظر تكوين 3" ، والذنب نشأ اصلاً عن كسر القانون الأخلاقي the moral law للإنسان والذي أرى -كشخص يؤمن بوجود إله- أن ذلك القانون استمده الإنسان من نقطة مرجعية لذاته وهي الله . أما الخوف فنشأ عن الانفصال عن الله من بعد السقوط  "راجع أيضاً تك 3" ، والمشكلة الأكبر أنه بانفصال الإنسان عن الله انفصل عن نفسه أيضاً ومن ثم تغرب عن ذاته وفقد النقطة المرجعية لذاته وهي ذات الله، مما أدى لصراع مع الذات المتغرب عنها أُسقط هذا الصراع على الآخر ليتحول إلى صراع مع البشر الآخرين.

                                                                                      

11. انفصال الانسان عن نفسه هو أصل جميع الاضطرابات النفسية، ولكن لا مجال للخلط بين الأقمصة الجلدية أي النتائج المترتبة على الخطية الأصلية أو العامة General sin  وسقوط الإنسان والتي أصبحت جزءاً في الطبيعة البشرية كالألم والشهوة والفساد المنتشر في العالم .. إلخ ، وما بين الخطية الخاصة Individual sin  التي هي قرار ذاتي شخصي ، فالأولى أوجدت من العدم "الإمكانية" للإنسان أن يُخطئ لكننا حين نتحدث عن "الحتمية"  في الخطأ هنا يأتي فقط دور القصور الخاص أو الخطية الخاصة.

 

12. حين نشر ماسلو أحد كتبه متحدثاً عن الاحتياجات البشرية وعلى رأسها ما سماه بتحقيق الذات self-actualization رفضت بعض الحركات المسيحية ذلك بدعوى أنه  "ليس روحانياً " خاصة أن ماسلو لم يدرج الاحتياج لله فى هرمه الشهير حيث إنه عندما ذكر احتياجات الأمان قصد ضمان الفرد لإشباع احتياجاته الجسدية في اليوم التالي، ونتيجة هذا أنهم أصبحوا مرائين ، كما روحنوا الإنسان والله بما رفضه الله نفسه ففي مت ٦ يقول المسيح : أن أبوكم السماوى يعلم أنكم تحتاجون هذه كلها. ومن هنا فالكلمة النهائية ليست النظر لتسديد الاحتياجات بشكل كامل ولكن الثقة أن الله يعلم.

 

13. «الَّذِي جَمَعَ كَثِيرًا لَمْ يُفْضِلْ، وَالَّذِي جَمَعَ قَلِيلاً لَمْ يُنْقِصْ»."  (2 كو 8: 15) يذكر ق.بولس أن من يربح في نهاية الأمر ليس من تُسدد احتياجاته أكثر بل هو من يعطي أكثر، فَمنْ يعطي يأخذ، هذه ليست كلمات رمزية بل حقيقية جداً، ولا يجب أن يفهم ذلك أنه دعوة للتخاذل عن تلبية الاحتياجات الإنسانية بل بالأحرى التسامي بها نحو سلوك يتخطى الإشباع للاحتياج في ذاته نحو إشباع روحي للتأله .. بالعطاء.

 

14. " ليس إنى أقول لكم من جهة احتياج. فإني قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه. أعرف أن أتضع وأعرف أيضاً أن استفضل " (فى 12:4). يذكر ق.بولس أن القناعة contentment هى أحد أهم السبل للحصول على حياة متزنة فمثلاً زوج يشتكي أن زوجته لا تحبه , فالاكتفاء هنا هو الوصول لحقيقة أنه يستطيع أن يعيش بدون حب زوجته فهذا ليس احتياج أساسي لديه - لديه احتياج أساسي للحب عموماً وليس لحب هذه الإنسانة بالذات فهذا احتياج يظنه هو أساسياً إلا أنه ليس كذلك وسنتناول هذا الأمر بالتفصيل فى مقال آخر - ورغم أن ذلك يبدو قاسياً إلا أنه السبيل الوحيد لحياة متزنة، ولا يعني هذا الاستكانة والخضوع، فلا تأتي القناعة هنا إلا بعد محاولات عديدة ناضجة بلا إدانة أو اقتحام للآخر تشكل أرضية ثابتة للوصول للقناعة.

 

 

*******

 

المراجع



1.Tournier , Paul . Guilt and Grace . Harper and Row, NY , 1962.

2.Schiffer , Francis . Genesis in space and time .. 1972.

3. طرابلسي , عدنان (د.) . لاهوت الأقمصة الجلدية . منشورات النور , 1992.

4.Maslow , Abraham . Towards the psychology of being . Van Nostrad edition , 1968. 

5.May , Rolo . Man's search for himself . Norton , 1953.

6. Glasser , William . Reality Therapy .. 1960.

7. Frankl , Victor . Man's search for meaning .. BYU Tanner , 2008.

8. Crabb , Lawrence . Effective biblical counseling .. Zondervan , 1975.

No comments:

Post a Comment