Tuesday, December 16, 2014

دراسة عن الشفاء الداخلى


الشفاء الداخلى Inner Healing

 

لست بصدد توجيه القارئ لمفاهيم محددة حول الشفاء الداخلي أو دعوته للرفض أو القبول التام لهذه الظاهرة التى استشرت فى الآونة الأخيرة فى بعض الأوساط الكنسية فلا يمكن للموضوعية إلا أن تتحسس لمحة من الحقيقة فى كل شئ أردنا ذلك أم لم نرد .. ومن ثم فإرساء بعض المفاهيم تفسح لنا الطريق أمام فهم طبيعة هذا المصطلح حامياً إياه من أن يُحّمل ما لا يعني به .

1. العاطفية Emotionalism : تعتبر من ركائز الشفاء الداخلي حيث يتم التأثير على الشخص عاطفياً ولابد أن نشير إلى قصور هذا الجانب أنه مؤقت temporary فلا يستمر أو يؤثر جذرياً فى حياة المرء -فلا تُمحى سنوات من التأثيرات المجتمعية فى لحظات- ويتصف هذا الأسلوب بالحماس والاستعداد الكياني الزائف أو بالتعبير الكيركجوري الشهير "تعويذة النوايا الحسنة"[1] .يكتب لنا فرنسيس شيفر في هذا الصدد[2] :
أستطيع التفكير من خلال أجزائي بطرق عديدة , كبالجسد أو بالروح , بكياني الفيزيائي أو بكياني الروحي , خلال ثقافتي وإرادتي ومشاعري ولكننا نفقد المفهوم الكتابي إذا لم نؤكد أن الإنسان وحدة / عالم مُصغر [3]microcosmos . من هذا المنطلق علينا أن نبدأ تفكيرنا .


2. مسيرة النضج Maturity scale : الإنسان يعيش دائماً فى مسيرة نمو على طريق النضج [4] فالتفاعلات فى ديناميكية الشخص تتمحور حول التعبير عن الذات ومن ثم اتساع كيان الإنسان. والنضج يتميز بالإتزان العاطفي وهو ما لا نجده فى المنهجية الراديكالية الشفاء الداخلي التي لا توفر هذا المناخ المتزن عاطفياً والذي يتيح للإنسان أخذ خطوة نحو إنسانيته .. نحو النضج .
يكتب لنا الدكتور مارتن بيك
Martin Peck فى كتابه "معنى الطب النفسي" :-
إن الشخص الراديكالي الذي يريد أن يقلب الدنيا كلها رأساً على عقب ومثله الإنسان المحافظ الذي يرفض أية مخاطرة ويريد أن يبقى كلِ على حاله , يعمل كل منهما ضد التغيير وكلاهما يفتقر إلى الإتزان العاطفي[5] .

فالتغيير وليد مسيرة كيانية وليس وليد لحظة حياتية يتخذ فيها الإنسان قراراً شجاعاً بالتغيير ولقد عبر عن ذلك كيركجارد فى كتابه الرائع "إما / أو" بقوله :
أن تجرؤ على إتخاذ القرار , يشبه الأمر سباحاً جريئاً أتخذ قرار مفاجئ بالقفز إلى البحر من فوق برجِ عالِ . بالتأكيد هذا فعل شجاع للغاية , ولكنه اكتشف وهو فى الماء إنه لا يعرف العوم .. فغرق ! لأنه لم يسأل نفسه وماذا عن تنفيذ القرار. لابد أن نحذر خداعات إبليس فلا تطر السماء بقرارك وتتناسى أنه مجرد قرار .[6]

 

3. السلام الداخلي Inner Peace : يَعْني الشفاء الداخلي بتوفير السلام الداخلي للإنسان عن طريق طرح أفكاره الأليمة والتخلص من الآلام وهذا فهم قاصر ومُختذِل للسلام الداخلي فيكتب لنا الأب هنرى بولاد اليسوعيفى هذا الإطار : يوجد سلام عن فقر وسلام عن غنى: قد أحظى بالسلام لعدم وجود مشاكل حولى وهذا سلام عادي ينعم به الكل عند خلو الحياة من المنغصات فيبدو الشخص فى خمول لا يثور , وهناك سلام عن غنى يتوفر عند الشخصيات المثابرة الثائرة وهنا ينبغى أن نضع مجهوداً روحياً مضاعفاً لنحصل عليه, هذا تحدِ لنفسي فليس المطلوب إذا سلام يتجنب المشاكل (زائف) بل سلام يتغلب عليها (حقيقي) .[7]

 

4. المنهجية Methodology : إن منهجية الشفاء الداخلي المزعوم تقوم على استبطان المرء لذاته عن طريق إدخال المسيح إلى ذهنه ليمحي الألم ولسنا بصدد عرض مُفصل لكيفية نهجهم ولكني أشير إلى مفارقتين هامتين هنا: الأولى أنهم يعمدون إلى إدخال المسيح بشكل اقتحامي اغترابي إلى داخل النفس لمباشرة شفائها متغاضين أن الروح القدس بالفعل داخل الإنسان وليس خارجاً فالروح رقيق للغاية وصوته هادئ لا يفرض نفسه ولا يغصبك على عكس مشيئتك ولكن يظل يتكلم ويعلن عما يجب عليك أن تفعله. ولكن باستمرار الرفض تُصاب أنت بالصمم الروحي فلا تعود تسمع ما يقوله ! هنا تبدأ الحيرة العظمى !! [8]
الأمر الآخر هو أنه عند طرح هذا العمل فى الدائرة السيكولوجية نجد أنه منهج ذاتي بالطراز الأول وأن دور المسيح أو الروح هنا دور تحفيزي
stimulus/catalist لسبر أغوار النفس ومداواة الخبرات الأليمة التي قد تُكبت دون دراية فيشعر الفرد بتحسن ولكنه كما أشرنا وقتي/مؤقت لأنه عند تحفيز العقل الباطن سيمرر تلك الفكرة المكبوتة إلى العقل الواعي[9] مما يعيد التجربة مرة أخرى وهلم جراً .


5. العمل الروحي مقابل العمل الفردي Spiritualism vs Individualism : يقول مشير سمير : إن الشفاء الداخلي في تركيزه على علاج آلام الإنسان إنما، ولو بطريقة غير واعية، يضع الإنسان في بؤرة الاهتمام بدلاً من الله وذلك حين يضع تركيز الإنسان على أن يجد حلاً لمشكلاته عوضاً عن أن يجد الله من خلال مشكلاته  [10]

إن الأساس فى العمل الروحي كما عرفه لنا الآباء ويلخصه الأب متى المسكين هو : وجود محبة صادقة ملتهبة نحو الله , وإيمان عارٍ من الاعتماد على شئ إلا الله , مع تسليم هادئ لمشيئته , واستعداد مستمر لإنكار الذات[11] . وفى الحقيقة لا تظهر هذه المبادئ بوضوح فى منهجية الشفاء الداخلي المعتمد على لمس المسيح للألم بطريقة غامضة فيشفى الفرد , وهنا عندنا جملة تصلح أن نسميها : جملة النجاة !
                            (يلزم أن يكون العمل من الله لله )[12]

 

6. الإرادة الحرة مقابل الحتمية Free will vs Determinism : يُقدم الشفاء الداخلي الإنسان كمفعول به وليس فاعل أمام تحرك الروح بداخله لتحريره [13] فينال الإنسان حريته بشكل عفوي كهبة أو منحة وهذا خطأ جسيم فالحرية ليست هبة بل تحصيل وكسب , ليست حالة status كما تصورها تقنيات الشفاء الداخلي بل هى فعل action وحدث event يقوم به الإنسان ليكسب to earn حريته [14] . فى هذا الصدد يقول الأب هنرى بولاد : إن الإنسان فى وسط تلك الحتميات المحيطة به من كل ناحية بمقدرته أن يوظفها ويطوعها لأجل مشروع project هو ذاته!! [15] وسبق معرفة الله لا يتدخل فى الإرادة الحرة التي تختار مابين الخير والشر بمعنى أنه سَبْق معرفة أعمال وسلوك ونيات وإرادة . لأن ليس عند الله زمن يحجب العمل فلا يُرى إلا بعد حدوثه بل الرب يرى الأعمال وكأنها معمولة قبل أن تُعمل "يدعو الأشياء غير الموجودة وكأنها موجودة (رو 17:4)" [16]

 

7. الشفاء الداخلى وإنجيل الرخاء Prosperity [17] : كتب روبرت تيلتون Robert Tilton وهو أحد مؤسسي ما يُسمى بحركة إنجيل الرخاء : “أؤمن أنّ مشيئة الله من جهتكم جميعًا هي الرخاء، إذ أراها في كلمة [ الله ]، لا لأني وجدتها فاعلة في حياة البعض. أنا لا أضع عيناي على البشر بل على الله الذي يهبني القدرة على أن أصبح غنيًّا” [18] .  يرتبط -غالباً- الشفاء الداخلي بالمفهوم الواهي المُسمى بإنجيل الرخاء المُتلخص فى حصر النعمة والحياة المسيحية فى رغد العيش والهناء وكأن المسيح لا يوجد حيث الألم و المعاناة بل وكأن المسيح إله عالمي دنيوي لا هم له سوى منح البركة لأتباعه ليعيشوا سعداء ( في هذه الحياة ) هذا ما يقوم عليه الشفاء الداخلي[19] فقط تُب وصلِ الصلاة الشافية ويصبح كل شئ على ما يُرام . يكتب لنا كاليستوس وير فى كتابه الملكوت الداخلي :


التوبة المُفعمة ألماً وفرحاً فى آنٍ معاً , تُعبر عن التوتر الخلَّاق ..
الذي طالما طبع الحياة المسيحية على هذه الأرض .[20]

 

8. الشفاء الداخلى والدافعية Motivation : وجود الدافعية أو غيابها ليست مشكلة فى الشخصية حيث إن الدافعية ليست سمة للشخصية إنما هى حالة من الاستعداد والتشوق للتغيير وهذه الحالة قد تتغير من موقف لآخر ومن وقت لآخر كما يمكن التأثير عليها برفعها أو خفضها . لقد كان العلاج بالإيحاء من أكثر طرق العلاج جدلاً على مدار التاريخ ولتوضيح قوة الإيحاء يذكر عالم المصريات الدكتور وسيم السيسي : على جدران أحد المعابد الفرعونية سُجلت أسطورة ساحر أتى به الفرعون وقال له أريدك أن تقطع رأس رجل ثم تعيده للحياة مرة ثانية ولكن الساحر طلب أوزة وقال للملك أقطع رأسها وأعيدها للحياة ففعل كما قال ثم التفت للملك قائلاً أرأيت ما أنا قادر عليه , لا تشكك فى قدرتي !![21]
يصف جيمس بروتشاسكا وكارل دي كليمنتي كيف يتغير الناس سواء بمفردهم أو بمساعدة أناس آخرين معالجين أو غيرهم وتبعاً لنموذجهم يمر كل شخص فى مراحل من التحفيز والدافعية تشكل ما يطلق عليه عجلة التغيير
wheel of change .[22]

 

9. البعد الاجتماعي للشفاء الداخلي : يخرج لنا ألفرد إدلر-مؤسس علم النفس الفردي- بمصطلح الشعور الاجتماعي social feeling ليقول إن التكيف مع المجتمع هو أكثر الوظائف النفسية أهمية لكل من الفرد والمجتمع [23] بمعنى أن الإنسان قد يؤدي تعاطفه -والتعاطف هو انفجار لمجموعة من العواطف التى تعبر عن الشعور الاجتماعي[24]- إلى التحرك اللاشعوري انطلاقاً من هذا الدافع (التعاطف) لترجمة مشاعر الغير إلى مشاعر شخصية . إليكم مثالاً لتوضيح تلك الفكرة : عند رؤيتك لشخص ما فى حزن شديد فالاحتمال الغالب أنه سيمرر لك بشكل ما تلك الخبرة الشعورية فستشعر بالحزن دون أن تدرى لذلك سبباً وبنفس المعنى قد ينقل لك أحدهم -لاشعورياً- خبرة شعورية عن الشفاء الداخلي تُترجم لديك إلى خبرة سلوكية فقط لأنك اتبعت ذلك الصوت الباطني Preset الذي ذُرع فيك سلفاً مما يؤدي لشفائك فعلاً عند امتهاج الشفاء الداخلي .

 

10. شفاء الذكريات والطفل الداخلي : أتفق معظم علماء النفس أن بداخل كل إنسان ما يُسمى بالطفل الداخلي Innate Child هذا الطفل يُحمل بمجموعة من الذكريات هي بمثابة جزء من الميراث التربوي للإنسان فى الطفولة ومن ثم فعليه تصحيح مسار عدسة نفاذه إلى تلك الذكريات ليسهل له الولوج إليها ومن ثم تغييرها ويذكر لنا الأنبا يوسف أسقف أمريكا الجنوبية في كتابه الشفاء الداخلي أربع قواعد لازمة لعملية الشفاء :-
1.إن الذي جرحك لا يستطيع فالمشكلة هى انتظارى لمن جرحني لكي يأتي ويشفيني وهذا ليس منطقياً .
2.لكي يتم الشفاء لابد من تعاطي نوعين مهمين من الدواء : التسامح والتصالح .
3.كما يحدث فى مجال الطب هناك بعض الأمراض -نفسية أو روحية- تعطل الشفاء الداخلي .
4.تحمل مسئولية أخطائك لكي تشفى فإذا كان خصام بين اثنين فغالباً هما الاثنين قد أخطئا [25] .

            

ملحوظة : للشفاء الداخلي أوجه عديدة لا يمكن لنا حصرها فى هذه الدراسة بأى حال ولا نسعى لذلك وإنما ما نبغاه تقديم قاعدة عريضة من المبادئ الأساسية تُمثل مرجعاً للمقارنة به عند التلاقي مع أي من أنماط Patterns  الشفاء الداخلي .

 

 

 




[1] Kierkegaard , Soren Aabye , Provokations Vol 2 .
[2] Schaeffer , Francis A. . True spirituality page 75 , 30th anniversary edition , USA .
[3] أشار شيفر إلى هذا المصطلح فى كتاب آخر بعنوان He is there and he is not silent .
[4] باول اليسوعي , جان , لماذا أخشى أن أحب ؟ , ص 55 , منشورات النور , بيروت , 1991
[5] المرجع السابق , ص 57 .
[6] Kierkegaard , Soren Aabye , Either ... Or , Vol.1 .
[7] بولاد اليسوعي , هنرى , السلام الداخلي ص 19-21 , منشورات النور , بيروت , طبعة ثانية 2004
[8] البرموسي , سارافيم , كيف أتعرف على مشيئة الله ؟ ص 52 , دير السيدة العذراء برموس , طبعة أولى 2013 .
[9] ميرفى , جوزيف , قوة عقلك الباطن ص26 , مكتبة جرير , طبعة ثالثة 2007 .
[10] مشير سمير - ماجستير المشورة المسيحية http://www.arabic-christian-counseling.com/index.php?option=com_content&view=article&id=265:-q-q-q-q&catid=12:2008-06-11-17-48-20&Itemid=12&lang=ar
[11] المسكين , الأب متى , العمل الروحي , ص3 , دير القديس أنبا مقار , الطبعة الثالثة 1983 .
[12] المرجع السابق ص 11 .
[13] http://www.freedomandhealinginchrist.org/teaching-inner-healing.html
[14] إبراهيم , زكريا , مشكلة الحرية , الباب الأول , دار نهضة مصر , طبعة ثانية  .
[15] بولاد اليسوعى , هنرى , لا للقدر كيف أكون حراً , منشورات النور , بيروت 1999 .
[16] المسكين , الأب متى , مدخل لشرح إنجيل يوحنا ص 160 , دار القديس أنبا مقار , الطبعة الأولى .
[17] http://towardgod.wordpress.com/2011/11/18
[18] Robert Tilton, God’s Word about Prosperity (Dallas, TX: Word of Faith Publications, 1983
[19] http://inner-healing.com/
[20] وير , كاليستوس , الملكوت الداخلي , ترجمة كاترين سرور , النور للنشر والتوزيع , بيروت 2001 .
[21] السيسي , وسيم ,مصر التى لا تعرفونها , دار نهضة مصر , القاهرة 2008 .
[22] William Miller & Stephen Rollnick , Motivational Interviewing , New york 1991 .
[23] إدلر, ألفرد, الطبيعة البشرية , ترجمة عادل نجيب بشرى , المركز القومى للترجمة , الطبعة الأولى 2005 , ص 43
[24] المرجع السابق , ص272
[25] الأنبا يوسف, الشفاء الداخلي, دار الكرمة الحقيقية, الطبعة الأولى , ص- 38 إلى 41

No comments:

Post a Comment