Friday, May 9, 2014

قصة قصيرة , رأيت العذراء

كان يوماً مشحوناً ملئ بالأحداث الصاخبة في الشركة التي يعمل بها مدحت ولكنه بالنسبة إليه لم يتخطى كونه روتينياً .. الموظفون الصغار يهرولون في الطرقات , الساعي يأتي له بالقهوة سادة كما أمره الطبيب , ملفات على مكتبه تحتاج مراجعة لا يلبث يقوم بها في دقائق منهياً إياها بتوقيعه , هذا أو ذاك من المسئولين يطلب منه خدمة فيقوم بها .. شيئاً لم يبدو جديداً حتى ذلك اليوم اليوم الذي خرج فيه مدحت من الشركة بعد أن أنهى كتاباً لأحمد خالد توفيق فبرغم أنه لم يكن قارئاً نهماً إلا أن توفيق كان بالنسبة إليه نوعاً رخيصاً من المخدرات يقرأه ليغيب عن الوعي , كان الناس في الماضي يقرأون لاكتساب الوعي .. تصور ذلك
!!
حاول مدحت تشغيل سيارته ولكنها رفضت أن تتحرك فقرر أن يستقل تاكسيا للعودة إلى المنزل على أن يرسل ميكانيكياً ليعاينها صباح غد .. فأوقف تاكسياً وركب .
فوجئ مدحت بأن الطريق مسدوداً الأمر الذي لم يكن معتاداً في هذا التوقيت وسائق التاكسي يلعن اليوم الذي قرر فيه شراء تاكسياً بالتقسيط !! وتوقع أن تكون هناك حادثة ولكن رجلاً تظهر عليه البساطة قال له إنظر إنها هناك ؟ من هناك ؟ رد مدحت من داخل التاكسي ولكن الرجل تجاهله ومضى !! أخذ مدحت يتفحص وجوه الماره التي اعترتها الدهشة وكأنهم قد رأوا شبحاً .. ما سبب ذلك ؟ وألهذا علاقة بالزحمة التي يبدو أنه قد علق فيها !! إقترب التاكسي مما بدا عرضاً سحرياَ من الناس المتجمهرة والدهشة الظاهرة في عيون المشاهدين .. سأل مدحت السائق الذي تمتم "دول ناس طيبين يا بيه بيصدقوا أى حاجة" وعرف مدحت لماذا قال السائق ذلك فيما بعد!!

كان مدحت قد إقترب من وجهته فقرر أن ينزل من التاكسي ويكمل المسافة سيراً ليستكشف مصدر هذا التجمهر وحينما وصل إلى كنيسة للأقباط الكاثوليك كانت المفاجأة .. لقد ظهرت العذراء !! 
نعم إنها هي تظهر فوق الكنيسة .. إنها الثيؤطوكوس فعلاً وقال مدحت في نفسه : يبدو أن هذا اليوم سيبتسم لي في نهاية الأمر .
وبعد أن ساهم مع آلاف المسلمين قبل المسيحيين في خنق الطريق لمشاهدة هذا المنظر النوراني لأنثى في غاية الجمال وكأنها قمر يطل من نافذة الغروب تذكر مدحت شيئا فانقبض قلبه متناسيا التاكسي والعذراء والناس الواقفين بجانبه يحاولون تفسير ماهية ما يرونه .. تذكر أنه قد يسجن في أى لحظة ولا يرى أولاده إلا في المناسبات !!
كان مدحت وهو شخص هام في إحدى الشركات الكبري ، لا يتواني عما يسميه مساعدة الاخرين وتقديم الخدمات التي اقتصرت على معارفه ومعارفهم

. فإذا برئيس الشركة يسافر للخليج ويستبدل برئيس الفرع الخليجي دكتور عارف شاكر . كان عارف يعلم بأن الامور في مصر ليست دقيقة ولكن مدحت لم يتصور ان عارف حينما يدقق في ملفاته بصفته اهم موظف في الشركة ويكتشف ما اسماه مدحت خدمة الناس .. أن يستدعيه في عصر هذا اليوم ويطالبه باختلاس اموال والاستيلاء على اراضي ، وأن يسجلها في الشهر العقاري باسم الرئيس الشريف .. عارف شاكر وهدده عارف بأنه يستطيع ان يضعه خلف القضبان لما قدمه من خدمات غير قانونية فاضطرب قلب مدحت فهو إن قام بخدمات لهذا او ذاك فهو ليس بسارق وبالتأكيد لن يسرق لصالح عارف .

لم يدري مدحت كيف يتصرف بعد ان ذهب لأب اعترافه الذي قال له انه اخطأ وعليه ان يتوب وان السجن وتشرد عائلته اهون من السرقة .. وكأنه لا يفعل ذلك !!
وفجأة عاد مدحت الي الواقع مع ارتفاع صلوات الحضور من المسيحيين بشفاعة العذراء وتلألأت عيناه كمن وجد المفتاح لقلب أنجلينا جولي ، فصلى ولكن هذه المرة صلى أمام العذراء بعد ان بدأ يؤمن ان جميع ما حدث منذ مجئ عارف شاكر وحتى هرولته من التاكسي قبل دقائق تدبير إلهي . .
عاد مدحت الي البيت بعد ان بكى لاول مرة امام الظهور النوراني منذ سنوات لا يذكر عددها لأجل ان تنقذه من السجن ومن ابتزاز عارف له . ولم يصدق نفسه حين جاءته مكالمة من صديقه المقرب والذي يعمل معه فلم يجد مدحت من يأتمنه على سره ولا حتي زوجته غير هذا الصديق
بعد سنوات من الزواج تبدو الثقة بالاخر بديهية لدرجة ان الزوجين ينسيا انها موجودة فتبدأ تثق في البواب وزميل العمل ، تثق في أشخاص لا تعرفهم أحياناً .. المهم ألا تثق بامرأتك وهذا ما كان يفعله مدحت
.
حين ضغط مدحت علي الزر الاخضر لم يكن يصدق نفسه فقد اخبره هذا الصديق ان جميع مشاكله قد حلت ولم يكد يخبره السبب الا ان الخط انقطع ومن الفرحة لم يأبه مدحت بان يعاود الاتصال به ، ففرحته بما فعلته العزراء معه غمرته فلم يدري بنفسه الا وهو يقف في عزاء رئيس الشركة .. نعم ، توفي عارف شاكر بأزمة قلبية لم يتمكن المسعفون من تداركها
.
لم ينم مدحت تلك الليلة ... وظلت التساؤلات تجول برأسه كأسد جائع لا يجد من يأكله ماذا فعلت العذراء أقتلت الرجل لتخلصني من مشاكلي ، لماذا ؟ لم يكن عارف شاكر شيطانا لقد كان رجلا سيئا ولكنه لم يستحق الموت
ثم انفجر في رأسه تساؤل آخر ، كيف تتسبب العذراء في قتل الرجل ؟ نعم يذكر مدحت أنه طلب منها أن تريحه من عارف للأبد ولكن ليس هكذا
!!
وماذا رأى اليوم ألم تكن العذراء !! ولمن صلى اليوم وأمام من بكى ألم تكن العذراء ثم جاء هذا السؤال كالابن الضال وهو عائد الى ابيه .. ماذا لو لم العذراء يدا في هذا الامر ، من أدخل العذراء في هذا الامر من البداية ثم من قال أنها هي .. نعم لقد رأى الناس يلتفون حول النور ولكن هل هذا يثبت أي شئ !! ، لقد مات عارف نتيجة ازمة قلبية لماذا لا يكون الامر مجرد صدفة ان موت الرجل جاء في نفس يوم رؤيته للظهور المزعوم !! وظل حائراً .. يبحث عن جواب حتى رده إلى الواقع صوت ابنه جورج قائلا له : بابا عايز اشوف ماما العذراء .

No comments:

Post a Comment