Saturday, November 2, 2013

الإلحاد بين التأليه والتأنيس ...



في مسرحية الذباب الشهيرة أشار سارتر إلى الألوهة باسم جوبيتر وهذا ليس عبثاً لأن اسم جوبيتر مرتبط  بأسطورة بروميتيوس , ذلك الكائن الذي اختلس ناراً من السماء ليوجد البشر منها , فغصب عليه جوبيتر وأنزل عليه عقاباً أبدياً . تلك الأسطورة تصور العلاقة بين الألوهة والبشر على أنها علاقة عداء في الأساس حتى إن وجود الإنسان نتيجة اختلاس للقوة الألهية . وكأن الإنسان لا يوجد إلا ضد الله , هذا هو بالظبط موقف سارتر . فقد كتب في "الكائن والعدم"  أن المخلوق لا يمكن أن يؤكد ذاته إلا ضد خالقه .

ولكن في الوقت الذي قال فيه جوبيتر بلسان حال سارتر .. أنه لا يحب أحداً جاء الله الحي بالحقيقة ليوضح أن أفضل تعريف له هو المحبة ذاتها لأنه في جوهره محبة وعطاء وشركة (1يو 4 :8) في وحدة الثالوث التي تحقق العطاء الكامل لأن كل ماهو للآب فهو للأبن وكل ماهو للأبن فهو للآب  (يو 17 :10) فالآب ليس آباً إلا بالنسبة للأبن والأبن ليس ابناً إلا بالنسبة للآب . وفي الوقت الذي نسب إليه (إلى جوبيتر) الأقدمون ومن بعدهم سارتر صفات التملك والحسد الموجودة في البشر جاء الله الحي بالحقيقة ليبين أن التسلط والتملك صفتان لا ينتسبان لله بأية حال فقد تجلى لنا تماماً في شخص المسيح يسوع القائل إن : من رآني فقد رأى الآب (يو 14 : 9) .

إن كل ما يريده الله من الإنسان عامةً والملحد خاصةً أن يدع الله يحبه ويجعله في الوجود بحبه وأن يقبل أن يتلقى من الله الكينونة والخير . إنه ليس فقط لا يريد إلغاء وجوده بل إنه لا يرتضي له بوجود ناقص , مبتور , إنه يريد له كل الوجود , يريد أن يشركه في حياته ويغنيه بملئه كله .
ليس فقط لا يشاء الله إلغاء وجودي , بل يريد أن يرفعني إلى مستوى وجوده , أن يمنحني كل غنى وجوده .. وبعبارة أخرى يريد الله تأليهي .

يكتب في هذا الصدد القديس مكسيموس المعترف في القرن السابع عندما كتب " الله متعطش إلى تأليه الإنسان " فالله لا يشاء تحقير الإنسان بل , كما أن الآب جدير بهذا الاسم يسره بأنه يصبح ابنه مثله مكتمل الرجولة , هكذا شاء الله أن يجعلنا شركاء لاهوته وأن يعاملنا معاملة المثل للمثل ولذلك كتب الرسول بطرس أننا مدعوون لنكون شركاء الطبيعة الإلهية .

يكتب لويس افلي قائلاً : يمكن أن ُينكرَ الله وأن ينسى ولكن الله لا يمكن أن ينكرنا وأن ينسانا . يمكن للإنسان أن يكون دون الله ولكن الله لا يمكن أن يكون دون الإنسان , يمكن للإنسان أن يترك البنوة ولكن الله لا يمكن أن لا يكون اباً .



*****


ولكن يمكن أن نتساءل , إذا كان هدف الله هو تأليه الإنسان كما أوضحنا وإشراكه في الطبيعة الإلهية التي هي فى الأساس مصدر ومنبع كل ماهو إنساني إذن فلماذا يعاقبه أو بعبارة أخرى لماذا جهنم ؟!! وهنا نود طرح مفارقة كبيرة اعتمد عليها ملحدون كثيرون ...
إذا جاء عريس لخطبة عروس وقال لها : إذا تزوجتيني سأجعلك ملكة وأشركك في كل ما أملك وكل ما تطلبينه يكون لك ولكن إن لم تقبلي بي زوجاً لكِ فإني سوف أجعل حياتك جحيماً وأعذبك عذاباً جماً .. هل كانت العروس حرة في اختيارها ؟ بالطبع أى شخص يقرئ هذه السطور يجزم بأن العروس لم يكن لديها خيار وبالتالي فهى غير حرة ومجبرة على الارتباط بهذا الشخص خوفاً على حياتها ... ولكن يظل السؤال هل ينطبق ذلك المثل على علاقة الله بالإنسان ؟!

إن هذا المثال لم يقترب حتى من علاقة الإنسان بالله وذلك بعدة أسباب نورد منها ما يلي :
1. إن الإنسان يسعى نحو الله أما هنا فلم تسع العروس للارتباط بالعريس .
2. إن عطايا العريس للعروس مشروطة بنوع من الارتباط ألا وهو الزواج
 أى أن العريس لن يقدم شيئاً حتى ترتضيه العروس زوجاً أما الله فأعطى
الإنسان عطايا عديدة بدءاً بالخلق وحتى الكفارة والفداء قبل مطالبة الإنسان بحبه .
3. إن العريس سيعذب العروس لرفضها إياه أما في حال الإنسان فأعماله
وأفعاله تحدد مصيره فالإنسان يحدد مصير الإنسان أما الله فيضع نفسه رهن حرية الإنسان .

إن جهنم ليست انتقاماً رهيباً يجريه إله سادي على إنسان عصى أوامره , ليست امتداداً لانتقام جوبيتر من بروميتيوس , ولكن الإنسان الذي رفض الله جذرياً ونهائياً يعذبه رفضه لأنه مخالف لمتطلبات طبيعته العميقة فجهنم هى أبعد المظاهر لاحترام الله حرية الإنسان وهى انعكاس سلبي لحبه ,
فاحترام الله لحرية الإنسان يعنى أن هذه الحرية لا تنتزع عنوة واغتصاباً بل هى هبة من الله للإنسان.



*****


لقد حاول كارل ماركس أن يبين المناسبة التي تنشأ فيها فكرة الله وقد جاوب على سؤال هام ألا وهو كيف تنشأ فكرة الله ؟ . ولكنه لم يجب على السؤال الأهم وهو لماذا تظهر هذه الفكرة في الإنسان ؟
الإنسان يختبر شقاءه وعبوديته ويجد نفسه غير راضٍ عن حاله . هذه نقطة الانطلاق . في وضع كهذا ينتظر من الإنسان أن تكون له ردود فعل بشرية , طبيعية : مثلاً أن يثور الإنسان على الظالم , أو أن يرضخ لواقعه ويحاول التكيف معه قدر الإمكان أو أن يعلل نفسه بآمال بشرية منتظراً فرصة للتحرر أو مناسبة لتحسين حاله . ولكن الأمر الغريب هو أن الإنسان يضيف حلاً آخر إلى الحلول البشرية : أنه يتجه نحو الله . فما هو مصدر هذا الحل الغريب ؟ ماهو سر قفزة الإنسان هذه فوق كل اختبار بشري بإتجاه عالم الله ؟ . ليس من إلحاد يستطيع الإجابة عن هذا السؤال .


يقول الأب دو لوباك : يقال لنا أن الإنسان قد ألّه السماء . فليكن ! ولكن من أين أخذ الإنسان فكرة الألوهة ليطلقها على السماء ؟ لماذا هذه الحركة العفوية التي تلاحظ في النوع البشري فى كل مكان ؟ لماذا حركة التأليه هذه ؟ أكان تأليه السماء أو تأليه أى شئ آخر .

قد يرتعد الإنسان أمام العاصفة الهوجاء فيؤله الرعد والريح . ولكن عالم الأديان الشهير ميرتشا إلياده أظهر أن الوثنيين عندما كانوا يتعبدون لعناصر الطبيعة كالشمس والعاصفة لم يكونوا في كثير من الأحيان يتعبدون لقوى مادية بل كانوا يعتبرونها ظهورات لقوة سرية تتجلى من خلالها , ولهذه القوة كانوا يتعبدون من خلال ظهوراتها . إن حوادث الطبيعة كانت إذاً بالنسبة إليهم , على الأقل جزئياً , كشفاً للألوهة . هذا ما يعيدنا إلى السؤال الذي طرحناه آنفاً : من أين اتتهم فكرة الألوهة ؟!!!

فكرة الألوهة هي مرادفة لفكرة المطلق . فمن أين للإنسان فكرة كهذه ؟ لماذا لا يكتفي الإنسان بما هو ناقص ونسبي فيه وحوله بل يتجه إلى كائن كامل ومطلق ؟ . ما المصدر العميق لتلك الفكرة في الكيان البشري ؟ . الجواب على هذا السؤال هو أن الله موجود بالفعل وأنه خلق الإنسان متجهاً إليه في الصميم وجعل فيه هذا الشوق الذي لا يرتوي إلا بلقاء الإله الذي يناديه من خلال طروف الحياة وحوادث الكون , حسبما كتب أوغسطينوس " يارب لقد خلقتنا متجهين إليك ولذلك لن تجد قلوبنا راحة إلا إذا استقرت فيك " .


*****


كتب حيوفاني ماركيزي : إذا أردنا أن نكلم الإنسان اليوم على الله في موضوعات الثقافة العصرية , لا يمكن إهمال عاملين واسعي الانتشار وهما الإلحاد وعدم المبالاة بالدين . ولكن كيف آل الأمر بالناس إلى إقامة تضاد بين الله والإنسان ؟ ما العوامل الثقافية ولا سيّما الفلسفية التي سببت نظرية نكران الله جذرياً , ذلك النكران الذي يؤيده إنسان اليوم على أنه مُطلق جديد مستقل على وجه تام بالنظر إلى الله ؟

فإذا انطلقنا من هيجل فإن فوير باخ وماركس ونيتشه هم المؤلفون الأعظم شأناً للانتقال من القبول الشامل بالله إلى نكرانه , ليؤكد في الوقت نفسه " تأليه الإنسان " .

في سماء الإنسان تنطفئ النجوم التي جُعلت معالم على طريق الإنسانية الروحيّ والثقافيّ فتُكرر الأنُسيّة الملحدة في جميع الصيغ : يجب أن يموت الله ليحيا الإنسان .

وعلى صعيد آخر نجد الإنسان في نظر الكتاب المقدس مقام في محور الخليقة , لقد أقيم عليها ملكاً وسيداً وتعرض عليه صلة طاعة الله وتقبل مشيئته , وذلك لتوجيهه إلى أعلى قمم المجد والسعادة التي يدعوه الله إليها . يؤكد الوحي المسيحي أن الله أصبح إنساناً كي يستطيع الإنسان أن يصبح إلهاً . فلا يحظّر الطيران على الإنسان , بل الطيران من غير مراعاة التعليمات التي يزوده إياها مبدع الديناميكا الهوائية , والتي لابد منها لضمان طيران آمن سليم . فتأليه الخليقة نفسها ليس أمراً مشروعاً فحسب , بل الهدف الأول الذي أراده الله , ولكن بحسب القواعد التي يعرفها الخبير بالألوهية . لا تكون الخليقة الإله الذي يتصوره الإنسان ,, بل الإله الذي هو حقاًّ .


*****


مارك الفونس

No comments:

Post a Comment