Saturday, November 2, 2013

ماذا قدمت الكنيسة للإلحاد !!



إن تاريخ الكنيسة الرسميّة إلى اليوم، في أوروبا (وبلادنا)، ملئ بمواقف أقل ما يقال عنها أنها مواقف مشينة ، ليس أقلّها الغنى الفاحش والتسلّط بل و دعم الظلم . فقد دعمت الكنيسة الأرثوذكسيّة الحكم القيصريّ الظالم في روسيا. وهادنت الكنيسةُ البروتستانتيّةُ النازيّةَ بحيث إنّ "الكنيسة الـمُعترِفة" (The Confessing Church)، التي قاومت هتلر بقيادة مارتن نايمولر ودايترش بونهاوفر، اضطرّت إلى الانفصال عن حضنها الأمّ. أمّا الكنيسة الكاثوليكيّة، فقد اعترفت بموسوليني، ووقّعت معه معاهدة لاتيران 1929 م . وكذلك باركت نظام الجنرال فرانكو الفاشيّ في إسبانيا، الذي كان يُنظر إليه أنّه يدافع عن الكثلكة ضدّ الملحدين، والذي خلّد بابلو بيكاسّو بعض مجازره في لوحته الشهيرة "غويرنيكا".


ويعلق كوستي بندلى فى هذا الصدد قائلاً : «إنّ المسيحيّين كثيرًا ما تصوّروا الله ويتصوّرونه على صورة الملوك والحكّام، وما سُمّي «بنظامهم» الذي قد يكون تكريسًا للظلم وفي أحسن الاحتمالات نظامًا نسبيًّا وناقصًا، عوض أن يطلبوا من الملوك والحكّام التخلّق بأخلاق الله. هذا ما أدّى إلى التلازم المؤسف، المرير، بين «المذبح» و«العرش»، هذا ما قاد الكنيسة الرسميّة في كثير من الأحيان إلى الخلط بين قضيّة الله وقضيّة الطبقة الحاكمة، هذا ما يُفَسِّر، إلى حدّ ما، أنّ الحركات التحريريّة منذ الثورة الفرنسيّة كثيرًا ما انحرفت في نضالها ضدّ الاستبداد إلى رفض الله نفسه، لأنّ الإله الذي وجدته أمامها صُنِعَ على صورة المُستَبدّين» .


ومن مواقع الحقّ في الفكر الإلحاديّ أنّه، في أحيان كثيرة، لم يرفض الله، بل الإله المشوَّه الذي عكسه المسيحيّون بتصرّفاتهم ، الإله الذي يقوم على ضعف الإنسان وخضوعه، وينسّق مع القامعين لمزيدٍ من استغلال الناس. ففريدريتش نيتشه (1844 - 1900) الذي قال ما معناه "أروني أنّكم مخلّصون، لأومن بمخلّصكم"، أو كارل ماركس (1818 - 1883) الذي اعتبر أنّ "الدين أفيون الشعوب"، كانا يعكسان ما رأياه في المسيحيّة التاريخيّة في عصريهما. فإذا بالإلحاد، من حيث لا يدري، يعيد المشوِّهين لإيمانهم إلى التركيز على إيمانهم الأصيل والتوبة، أي تغيير أذهانهم وتصرّفاتهم، لتتوافق مع مقتضيات إيمانهم بالله الذي أوضح يسوع المسيح، بشكل جليّ، بأنّه محرّر ومُحييٍ ومُفرح، بأنّه محبّة.

من جهة أخرى، كما يطالعنا متديّنون متعصّبون برفض غير نقديّ لكلّ ما يمتّ للإلحاد بصلة وكأن دراسة الفكر الإلحادي لمحاولة معرفة سرائره تدفع بالدارس إلى بئر الإلحاد المظلم ، يطالعنا ملحدون متعصّبون، لا يرون في الدين إلاّ أفيونًا، بنعتهم كلّ ما هو إيمان بالخرافة والتخلّف. وذلك رغم أنّ مؤمنين مسيحيّين (كالذين ناضلوا مع مارتن لوثر كينغ، والذين قاتلوا مع الثورة الساندينيّة في نيكاراغوا)  وهندوس (كالذين ناضلوا مع غاندي) خاضوا نضالات عنفيّة ولاعنفيّة انطلاقًا من إيمانهم من أجل كرامة وحرّية الإنسان؛ ورغم أنّ المناضلين الملحدين أنفسهم ينطلقون من مواقف إيمانيّة، أقلّها إيمانهم بقدرة الإنسان على تحقيق عالم أفضل غير منظور حاليًّا.

وختاماً نودّ أن نشير إلى مواطن خلل في نوع نقد، يعجز عن مخاطبة الفكر أو القلب، يعتمد اتّهمات متسرّعة وغير دقيقة. فمثلاً يجد الكاتب بعد عدة محاولات لرصد تكالبات العلماء لتفنيد الفكر الإلحادي أن تسرع البعض منهم -رغم قصدهم النبيل- قد أدى لشئ من الانحيازية فقرأت أن  :

"المادّيّة تجاهلت كلّيًّا روح الإنسان، والداروينيّة بقيت عالقة في مفهوم "الإنسان-القرد" والوجوديّة الملحدة قادت الإنسان إلى العدميّة واللامعقول ، والماركسيّة ألغت فرادة الإنسان لصالح الجماهير. أمّا الفرويديّة، فبقيت لصيقة الجنس".

 ويجب أن نشير بأنّ هناك فلسفة وجوديّة مؤمنة أحد أعمدتها هو اللاهوتي العظيم الدنماركي سورين كيركجارد . أمّا التعليق حول الماركسيّة، فصحيح إلى حدّ بعيد. ولكنّ القول إنّ المادّية تجاهلت روح الإنسان لا يقدّم ولا يؤخّر. إذ إنّ الإيمان، وحده، يطلّ على بُعد الإنسان الروحيّ. أمّا الملحد، فمن الطبيعي ألاّ يرى الروح . ولهذا، فإنّ إشارة كهذه لا تساهم في نقد الإلحاد أو محاورته أو الدفع إلى الإيمان (إن كان هذا هو الهدف). أمّا تلك العدائية تجاه الداروينية قد تناولها الكاتب سلفاً في مقالة أخرى وأما وصف الفرويديّة بما يبدو اتّهامًا. وفحوى "الاتّهام" أنّها بقيت لصيقة الجنس! فهل الجنس مشكلة أخلاقيّة، وسيّئ بحدّ ذاته، لدرجة أنّه يكفي أن نلصق به فكرًا ما (أو علمًا ما)، لنكون قد نقدناه وفندناه ، وقصفناه من جذوره !! .

إذا أتجهنا إلى الفرويدية فنجد أن مثل تلك الأوصاف غير موفقة بالمرة لأنّها ، لا تنسجم مع التراث الكنسيّ الذي يبارك الجنس ويرى فيه مجال حبّ. أمّا إن كان المقصود أنّ الفرويديّة لم تنظر أبعد من الجنس، فهذا يدفعنا إلى أن نوضح أنّ "الجنس"، في الفرويديّة، لا يعني الممارسة الجنسيّة حصرًا، بل يعني طاقة حياة، يعني الشوق (الإيروس). ويوضح كوستي بندلي فى كتابه الصادر بالفرنسية  Foi et Sciences Humaines” ، مواطنَ الحقّ في الفرويديّة، المتلاقية مع الإيمان الأرثوذكسيّ، ومناطق القصور في موقف فرويد الإلحاديّ .




*****



مارك الفونس

No comments:

Post a Comment